الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
309
تفسير روح البيان
اسما لكل طرح عرفا وتعديته بالى لتضمنه معنى الانتهاء بِأَيْدِيكُمْ الباء زائدة في المفعول به لان القى يتعدى بنفسه قال تعالى فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ ولا يقال القى بيده الا في الشر والمراد بالأيدي الأنفس فان اليد لازم للنفس وتخصيص اليد من بين سائر الجوارح اللازمة لها لان أكثر الأعمال يظهر بالمباشرة باليد والمعنى لا تطرحوا أنفسكم إِلَى التَّهْلُكَةِ اى الهلاك بالإسراف وتضييع وجه المعاش لتكون الآية نظير قوله تعالى وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً أو بالكف عن الغزو والانفاق في مهماته فان ذلك مما يقوى العدو ويسلطه عليكم ويؤيده ما روى عن أبي أيوب الأنصاري رضي اللّه تعالى عنه أنه قال إن اللّه تعالى لما أعز دينه ونصر رسوله قلنا فيما بيننا انا قد تركنا أهلنا وأموالنا حتى فشا الإسلام ونصر اللّه نبيه فلو رجعنا إلى أهلنا وأموالنا فأقمنا فيها وأصلحنا ما ضاع منا فانزل اللّه تعالى وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ اى إلى ما يكون سببا لهلاككم من الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد فما زال أبو أيوب يجاهد في سبيل اللّه حتى كان آخر غزوة غزاها بقسطنطينية في زمن معاوية فتوفى هناك ودفن في أصل سور قسطنطينية وهم يستشفون به وفي الحديث ( من مات ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق ) وَأَحْسِنُوا اى تفضلوا على الفقراء إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ اى يريد بهم الخير - روى - ان الحجاج لما ولى العراق كان يطعم في كل يوم على الف مائدة يجمع على كل مائدة عشر أنفس وكان يرسل الرسل إلى الناس لحضور الطعام فكثر عليه ذلك فقال أيها الناس رسولي إليكم الشمس إذا طلعت فاحضروا للغداء وإذا اغربت فاحضروا للعشاء فكانوا يفعلون ذلك واستقل الناس يوما فقال ما بال الناس قد قلوا فقال رجل أيها الأمير انك أغنيت الناس في بيوتهم عن الحضور إلى مائدتك فأعجبه ذلك وقال اجلس بارك اللّه عليك هذا كرم الحجاج وإحسانه إلى الحلق مع كونه اظلم أهل زمانه : قال السعدي قدس سره كرم كن كه فردا كه ديوان نهند * منازل بمقدار احسان نهند وحكى الهدائى قال اقبل ركب من بنى أسد ومن قيس يريدون النعمان فلقوا حاتما وهو المشهور بالجود فقالوا تركنا قوما يثنون عليك خيرا وقد أرسلوا إليك رسالة فقال ما هي فأنشد الاسديون شعرا للنابغة فيه فلما أنشده قالوا انا نستحيى ان نسألك شيأ وان لنا لحاجة قال ما هي قالوا صاحب لنا قد أرجل يعنى فقدت راحلته فقال حاتم فرسى هذه فاحملوه عليها فاخذوها وربطت الجارية فلوها بثوبها فافلت يتبع أمه وتبعته الجارية لترده فصاح حاتم ما يتبعكم فهو لكم فذهبوا بالفرس والفلو والجارية كذا في شرح رسالة ابن زيدون الوزير * قيل لما عرج النبي عليه السلام اطلع على النار فرأى حظيرة فيها رجل لا تمسه النار فقال عليه السلام ما بال هذا الرجل في هذه الحظيرة لا تمسه النار فقال جبريل عليه السلام هذا حاتم طي صرف اللّه عنه عذاب جهنم بسخائه وجوده كذا في أنيس الوحدة وجليس الخلوة * وفي الأحاديث القدسية ( يا عيسى أتريد ان تطير على السماء مع الملائكة المقربين كن في الشفقة كالشمس وفي الستر كالليل وفي التواضع كالأرض وفي الحلم كالميت وفي السخاوة كالنهر الجاري ) * قال بعض أهل الحقيقة وهو حسن جدا وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أرواحكم وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ